Modawenon

المرأة بين التقليد والتغريب

المرأة بين التقليد والتغريب بقلم ذ. عبد الحق المرابط
 بقلم: ذ.عبد الحق المرابط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المهتدين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد تحول موضوع المرأة إلى قضية اجتماعية تختزل مجموع تصورات ومفاهيم متصارعة على المستوى العالمي، ومن يستقرئ التاريخ: الماضي والحاضر يرى أن قضية المرأة لم تعالج العلاج الصحيح، إنما أصبحت أداة فعالة في تأطير المجتمعات، وكل الآراء والأفكار التي تناولت قضية المرأة بقيت أسيرة منطق دفاعي عن أفكار تحرير المرأة، ومنطق هجومي على هذه الأفكار، قلما استطاعت التفلت من هذه الضغوط لتنظر إلى المسألة نظرة موضوعية شاملة بعيدة عن الاستغلال، وكل من يمعن النظر في المجتمعات البشرية الإسلامية منها وغير الإسلامية، ومنها المجتمعات التي تعدّ متمدِّنة ومتطوّرة، فإنه يجد في كل هذه المجتمعات قضية باسم المرأة لا تزال موجودة، وهذا الأمر إن دل على شيء إنما يدل على وجود نوع من النظرة المعوجّة تجاه المرأة، ويحكي عن وجود نوع من قصر النظر تجاه القضايا الإنسانية، ويتبين أن البشر رغم كلّ‏ِ إدعاءاتهم، ما زالوا عاجزين أمام هذه القضيّة.
 فالمرأة ظُلمت من الجاهلية الأولى، وتُظلم من الجاهلية الحاضرة، وبين تفريط الأولى، وإفراط الثانية، عاشت المرأة وتعيش في ظُلم وظلام. ظلم بخس لها حقها في حريتها، وحرمها من مكانتها اللائقة بها وجعلها إما جارية في القصور أو وعاء لإنجاب الأبناء، دون أي حقوق تذكر، يقول الشيخ محمد الغزالي في تقديمه لكتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة: "ذلك أن المسلمين انحرفوا عن تعاليم دينهم في معاملة النساء، وشاعت بينهم روايات مظلمة وأحاديث إما موضوعة أو قريبة من الوضع، انتهت بالمرأة المسلمة إلى الجهل الطامس والغفلة البعيدة عن الدين والدنيا معا. كان تعليم المرأة معصية، وذهابها إلى المسجد محذورا وكان اطلاعها على شؤون المسلمين أو انشغالها بحاضرهم ومستقبلهم شيئا لا يخطر ببال، وكان ازدراء الأنوثة خلقا شائعا، والسطو على حقوقها المادية والأدبية هو العرف المستقر، ومنذ ثلاث سنين فقط وقف خطيب مشهور يصيح بأسى وغضب يقول: رحم الله أياما كانت المرأة لا تخرج إلا ثلاث مرات: من بطن أمها إلى العالم، ومن بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر" . ثم قال معقبا: "لا بارك الله في هذه الأيام ولا أعادها في تاريخ أمتنا، إنها أيام جاهلية لا أيام إسلام، إنها انتصار لتقاليد جائرة، وليست امتدادا للصراط المستقيم" .
واستغلوا في ذلك أحاديث صحيحة فهموها فهما مقلوبا، أو آيات من القرآن الكريم قاموا بلي أعناقها، وفسروا النصوص تفسيرا مزاجيا ظاهريا ليستدلوا بها في غير مكانها، مثل حديث: "النساء ناقصات عقل ودين"  وحديث: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" . حتى وجدنا إماما مثل القرطبي يقول: "والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحجر والناقة، لأن الكل مركوب... وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء" . ولم يكتفوا بذلك فاخترعوا أحاديث لا أصل لها ولا سند، مثل: "شاوروهن وخالفوهن" أو "النساء لُعبٌ فتخيروا" أو "هلكت الرجال حين أطاعت النساء". 
وظلام يحاول أن ينسي المرأة قيمتها ويعمي عليها إنسانيتها، ويريد أن يجعلها سلعة رخيصة ودمية لا قيمة لها، وذلك تحت شعارات براقة مثل الحرية، والمساواة، وتحرير المرأة.
 يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو يحذر من الانخداع بالحرية المزعومة: "فلا يعدو التقدم المزعوم الذي تتشدق به مناضلاتنا المغربات أن يكون طُعما خداعا. وأي تقدم هو ذاك الذي ينزع المرأة من براثن الرجل الفظ ليلقي بها فريسة سهلة بين مخالب الرجل، مجرد متاع يتلذذ به الرجل، دمية مزينة، دمية من شمع، دمية من تبن!" .
فالمطلوب من المرأة أن تعرف حقوقها، وتكتشف نفسها، وعليها ألا تخطى‏ء في التشخيص والعلاج، وإلا تردّت وفسدت، وأفسدت معها المجتمع. فصلاحها صلاح للمجتمع، وفسادها فساد للمجتمع، وكمالها العقلي والروحي سينعكس حتماً على المجتمع، كونها جزءاً مهماً منه، فهي نصف المجتمع، وهي من يلد ويربي النصف الآخر، فهي بحق مرآة لقياس تطور أي حضارة إنسانية، فلابد من أخذها الدور الذي خُلقت لأجله.

[1] تحرير المرأة في عصر الرسالة، لعبد الحليم أبو شقة، ص: 5
[2] المرجع السابق.
[3] صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم/ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات
[4] المستدرك للحاكم، تحت رقم 7325 وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي على شرط البخاري ومسلم
[5] الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي، ج:18، ص:163-164

[6] الإسلام والحداثة، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 214