رضوان المسعودي
إذا كانت المرأة الحضرية قد استفادت من التحولات الإجتماعية
والإقتصادية ،و الثقافية التي عرفها المغرب في مجال حقوق المرأة
و بذلك تعامل بنوع من الرقة و العناية ، فإن نضرتها
القروية لازلت لم تحضي بنفس التعامل لتبقى بذلك من أكثر
الكائنات قهرا و غبنا في المجمتع ، إذ منذ ولادتها حتى مماتها
تعاني من شتى أنواع الاستغلال الذي يفرضه الرجل من جهة، و
المجتمع من جهة ثانية ، حيث لازالت في بعض المجتمعات
المتخلفة تستقبل مند ولادتها بنوع من التذمر إن لم نقل بالرفض الصريح . حيث
تعيش المرأة بصفة عامة ، والقروية بصفة خاصة نوع من العزلة التامة من جراء
القوانيــــن ، والشروط التي يفرضها وينهجها عليها الرجل ...حيث يعتبرها هذا
الأخيرة مجرد سلعة تشترى وتباع في السوق السوداء بأبخس الأثمنة...
إن قانون الغاب ؛ هو المسيطر على المرأة القروية حيث " تضحى ،
تعيش" الضياع والنسيان في زمن المساواة بينها وبين الرجل ...تستيقظ باكراً
عند بزوع الفجر للصلاة ...وبعد ذلك تهيء الفطور" للفقير" لكي يذهب إلى
الحقل ، وقبل أن يبدأ شعاع الشمس في الشروق ...تقوم بإيقاظ أبناءها الذين لم
يدخلوا المدرسة قطٌ لتسريح الشياه والأبقار ...بعد هذا وذاك تبدأ المشقة اليومية
من جمع الحشائش للدواب ، وإعداد الخبز في الفرن التقليدي ....وتقوم بطبخ الغذاء
بالإضافة إلى الأعمال الشاقة اليومية و هي ليست من إختصاصها ومن بينها ؛
عملية الحرث ، والغرس ، ونزع الأعشاب الضارة من الحقول ، وجني ثمار الخضر والفواكه
، وتغسل الخضروات وترتيبها في أكياس لتسويقها ، بالإضافة إلى جمع التبن ، وإدخار
المحصول إلى البيوت ، جمع الحطب للطهي والتدفئة ...وذلك راجع بالأساس الى إقصائها
إجتماعيا ، وإقتصادياً ، ثقافيـــاً وإنســانياً من عدة مجالات ومحرومة من عدة
حقوق ؛ ومختلف الخدمات العمومية ، كالتعليم ، الصحة ، والترفية ، ومن أي فضاء
للفسحة تنفض فيه بؤس أشغالها اليومية...إلخ
وفي المساء تكون على موعد في الحظيرة التي تتوسطها خيمة لإستقبال
قطعان النِعاج و الخِرفان والأبقار التي تعود من المرعى بعد أن يفي يومها القائظ
في رعاية أبناءها الذين وهبوا حياتهم وريعان شبابهم للرعي....
المرأة القروية ؛ هـــي لا شيء وراءها كل شيء حيث تقدر كفاءاتها
لإستقبال الماشية أحسن إستقبال ...تحلب من الأبقار ما يحلب منها ، وفي أيام الربيع
على الأخص تستقبل وليداً جديداً من إحدى أبقارها لتطمئن أنها سليمة بعد ولادتها ،
وتكون على وجه غير مسبوق بهذا الوليد الجديد الذي أتى إلى حياتهم سليمـــاً ، إنها
ملكة بدون امتياز لا تسود ولا تحكم فهي منسية في كل شيء ...
أما بخصوص التنمية البشرية "المرأة القروية - نموذجاً - "
دائم الحضور في الخطابات السياسية ، والعمومية بالمغرب خاصة كإهتمام جماعي ناجع ،
وقد تزايد هذا الإهتمام من جراء إنعكاسات السياسيات الإقتصادية المتحفظة المرتبطة
ببرنامج التقويم الهيكلي لبداية الألفية للإصلاحات التجارية والتوازنات المالية
...ومنسية في الواقع...
المرأة القروية المنسية في حذائها البلاستيكي "هموت
(بالأمازيغية )" الذي لا يفارقها إطلاقاً ..لا تعرف سبيل الخلاص إلى
الراحة ، المشقة تليها مشقة أخرى ، ويعتبرها الرجل آلـــة الإنجاب ، والقيام
بالأعمال بشقيها المنزلية ، والغير المنزلية ، (وهنا لا نُعَمم وإنما الأغلبية
الساحقة من الرجال ). وعندما نبحث في خبايا الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية
لم نجد أي دليــــل على أن أنها آلـــــة ، والأدهــــى من ذلك ؛ فالمرأة
بصفة عامة والقروية بصفة خاصة ولدت معززة مكرمة لقوله تعالى :(يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) سورة
النساء ، لكي تستمتع بحقوقها تجاه زوجها وأولادها وأسرتها ، رغم أنها ناقصة عقلٍ
ودين إلا أنها ليست دابة كما يعتبرها البعض.
نعتبر أن المغرب أخفق في احترام حقوق المرأة القروية وتوفيرها
للحاجيات اللازمة ، والمشروعة ورغم وجود منظمات المجتمع المدني إلا أننا نعتقد
أنها لم تذهب إلى المغرب العميـــــق لرفع الحيف عن المرأة القروية المهمشة
والمنبوذبة حقوقياً ، وإجتماعياً...ويمكننا القول أن أغلب المنظمات تنحدر من المدن
الكبرى ، مما يجعلنَّ المرأة القروية منسية في جلبابهــــا البدوي.
وتعاني المرأة القروية الإقصاء بشتى تلاوينه ؛ مقصية من
المؤسسات التنظيمية ، والحقوقية حيث لا تعرف شيء عن المؤسسات الدستورية
والمحلية ، ولا تتمتع بحقوق المواطنة ولا تستفد من أية مكتسبات من الحركات
النسائية في المدن.
تقول ؛"فاطمة طالبة جامعية "نجوت من البادية بأعجوبة لولا
عمي الذي أنقذني لكي أسكن معه في المدينة للدراسة (تفوقي الدراسي) لبقيت في
البادية ...لقد أضحى عمي يشجعني على الإستمرار في الدراسة ، المرأة القروية تعاني
الويلات ، من جراء الفقر المدقع والظروف الصعبة التي تمر منها هناك "، وتضيف
"إن أغلب النساء في باديتي لم يدرسن قطٌ ... تقضم أظافرها عندما تفكر وتعود
إلى ذاكرتها أسطوانة حياة أسرتها في البادية"
أما جميلة البالغة من العمر 23 سنة انقطعت عن الدراسة بعد إخفاقها في
حصول على شهادة الباكلوريا بعد أن كانت في الأقسام الداخلية مما مكنها من الإلتحاق
بالمدرسة الفندقية والسياحة بمدينة الحسيمة ، تضيف أنها لا تفكر يوماً في العودة
إلى قريتها حتى لا تنهكها المشقة في البادية ...وتتحسر عن الفتيات اللاواتي لم
يدخلن المدرسة قط" ...وتضيف ؛ "عن أي حياة تتحدث ؟؟ الحياة صعبة هناك
وخصوصاً النساء إنهن منعزلات أو بالأحرى مدفونات أحياء."
رغم أن الدستور المغربي ل 9 يوليوز 2011 نص في فصله 19 على
المساواة بين الرجل والمرأة من الوثيقة الدستورية فإن "الرجل والمرأة
يتمتعان، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والبيئية". نعتقد أن هاته المساواة تخص المرأة
الحضرية (نسبةً إلى المدينة ) فالمرأة القروية ليس هناك من يساومها ، وهي في
الأخير مقصية من المساواة ، ومن أبسط الحقوق المتوفرة ، لدى غالبية النساء
في المدن...
مما يجعلنا نحرك الفأرة للغوص في دهاليز الأنترنيت لمعرفة
أسرار المنظمات النسائية ، لكن الشمس تشرق كل صباح ، دون بديل على جديد اللاشيء
كما قال "صمويل بيكيت"...وهذ التهميش ، والحيف الإجتماعي يتركنا حائرين
ومتسائلين ...أين هي المنظمات التنظيمية و الحقوقية المهتمة بالمرأة
القروية بصفة خاصة ؟؟؟؟ فهاته المنظمات مدعوة الأن أكثر من أي وقت مضى للإهتمام
بالمرأة القروية وإيصال مظلومياتها إلى المسؤولين المعنيين ومنحها المزيد من
الحقوق حتى تنعم بالطمأنينة ، والسكينة .
أين هي حق المرأة القروية من الحياة الإجتماعية ، والسياسية ؟؟ لأننا
نرى عكس ذلك فهي تحظى بحصة الأسد في الخطابات السياسية ولا تستفيد بأي شيء
على أرض الواقع ، وبالرغم من الخطابات الرنانة حول أهمية الرفع من جودة الخدمات
الصحية إلا أن المرأة القروية لم تحض من نصيبها بعد أن أصبحت هذه الخطابات
مجردترهات تطلقها فئة معينة من أجل كسب مصالح لدرجة أصبحت الفئات المقهورة
متعودة على مثل هذه الشعارات ، لذلك فالمرأة القروية هي أكبر متضرر من
الوضعية الصحية الخاصة فيما يخص الصحة الإنجابية ، ويتضح ذلك في أن أغلبية
النساء يلجأن إلى الولادة داخل منازلهن ، وعندما نقول منازلهن فان
الولادة طبعا تتم بطرق تقليدية و هذا ما يشكل خطرا على صحة الطفل و الأم.
و إن استعصى عليها ذلك فإنها على موعد لقطع مسافة طويلة للمستشفى لأن
المستوصفات القروية تبقى مجرد بنايات خاوية على عروشها.
وفي الأخير ؛ فإن واقعها البدائي أصبح وصمة عار في جبين كل مغربي
غيور، إلا أنه رغم كلُّ هذا الإقصاء الإجتماعي والتهميش بشتى تلاوينه
في حق المرأة القروية ، تبقى مرأةً عفيفةً وشُجاعة بدون امتياز ...لا نملك
إلا أن ننحني إليها تواضعاً ، ونرفع لها القبعة إحتراماً وتقديراً على كل ما
تقوم به .
وتستمر معاناة
المرأة القروية ...إلى أين المصير ؟؟؟